يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

403

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

ضحكة مجّ من العلم مجّة ، يعني : رمي من علمه بعضه . والرابعة : إن فيه نسيان الذنوب الماضية . والخامسة : إن فيه جراءة على الذنوب في المستأنف ، لأنك إذا ضحكت قسا قلبك . والسادسة : إن فيه نسيان الموت وما بعده من أمر الآخرة . والسابعة : إن عليك وزر من ضحك بضحكك . والثامنة : إن الضحك في الدنيا يعقب بكاء طويلا في الآخرة . ويقال : ثلاثة تقسي القلب ، منها الضحك من غير عجب . وقال عليه الصلاة والسلام : ويل لمن يكذب ليضحك به الناس وويل له وويل له ، ثلاث مرات . وفي حديث آخر : والذي نفسي بيده ليتكلمن الرجل بالكلمة ليضحك بها القوم فيغضب اللّه عليه فيها . ويكفي من ذلك أن اللّه تعالى عيّر أقواما بالضحك ، فقال تعالى : أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ( 59 ) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ [ النجم : 59 - 60 ] ، ومدح آخرين بالبكاء ، فقال تعالى : وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [ الإسراء : 109 ] . وسيأتي الكلام في البكاء في باب الزاي عند ذكر الأزيز إن شاء اللّه العزيز . ومن أشد ما جاء في الضحك أنه ينقض الوضوء ويفسد الصلاة عند طائفة من أهل العلم ، وحجتهم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يصلي فأقبل رجل في بصره سوء فمر ببئر عليها خصفة فوقع فيها ، فضحك بعض من كان خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من كان ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة ، ذكره أبو عبيد ، وفسر الخصفة أنها الجلة التي تعمل من الخوص للتمر ، وجمعها : خصاف . وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير آخر عندنا اليوم ، ولئن عشنا قليلا ؛ نسأل اللّه السلامة ؛ كثر عندنا الجهل ، فعمّ الحدث والكهل ، أتدري من الكهل ؟ هو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، قاله ثابت . ومما نقلت من كتاب الإخبار بفوائد الأخبار للإمام الحافظ أبي بكر إبراهيم بن محمد بن يعقوب البخاري رحمه اللّه : الضحك شيء يختصّ به الإنسان من بين سائر الحيوان ، ومعناه استفادة سرور يلحقه ، فتنبسط له عروق قلبه ، فيجري الدم فيها ، فيفيض البشر إلى سائر عروق بدنه ، فتثور فيه حرارة ، فينبسط لها وجهه ، وتملأ الحرارة فاه ، فيضيق عنها فينفتح فاه وتبدو أسنانه ، فإن تزايد ذلك السرور ؛ ولم يكن في الإنسان ما يضبط به نفسه ؛ استخفها الفرح ، فضحك حتى قهقه ، ولذلك قيل في صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم : وضحكه تبسم ، لأنه كان لا يستخفه السرور فيغلبه فيقهقه . وهذه الصفة منفية عن اللّه عز وجل ، وجميع أوصاف الحدوث ، تعالى اللّه عن ذلك .